«طفل روزماري» لرومان بولانسكي: مملكة اللاعقل
ملصق «طفل روزماري»
عندما تباع ملايين النسخ في ايام قليلة من روايات هاري بوتر، أو من كتابات باولو كويلو. أو عندما يجد كثر من الزعماء السياسيين اللبنانيين وغير اللبنانيين جمهوراً كبيراً يصدقهم وخصوصاً عندما يتفننون في قول كل ما هو غير منطقي ولا معقول... ما الذي يعنيه هذا؟ يعني في كل بساطة ان ثمة غياباً للعقل عموماً، يكرس عبر هذه الاستجابة لكل ما يخرج عن نطاق العقلانية التي كانت سادت، في القرن التاسع عشر، وقاومت الاختفاء طويلاً خلال القرن العشرين. فالحقيقة ان نتاجات ادبية وفنية وفكرية كثيرة تغمر الأسواق والأذهان، ناهيك بالبضاعة السياسية التي تداعب أكثر وأكثر أذهان جماهير يبدو ان الواقع أتعبها وباتت لا ترى حلاً لمشكلاتها ومشكلات هذا الواقع إلا بالخروج الى سماوات الأحلام، وآفاق الشعوذة والوهم. بالنسبة إليها هذا الخروج أسهل، حتى وإن كانت كلفته أكثر.
> والواقع ان الصراع بين الفكر العقلاني والفكر الأسطوري – ولنطلق هذه الصفة هنا على كل ما يخرج عن نطاق العقل، نتاجاً أدبياً أو فكراً سياسياً أو فناً أو أي شيء من هذا القبيل، لتسهيل الأمور-، هذا الصراع لم يتوقف طوال القرن العشرين. ولنحدد أكثر: منذ بدء صعود الفاشيات وشتى ضروب الفكر المتطرف إثر هزائم الشعوب، والذل الذي استشعرته، وكذلك منذ حوّل ستالين وصحبه، في الناحية الأخرى، عقلانية الفكر الماركسي الى أسطورية بدورهم. وإذا أخذنا نموذجاً لعله الأكثر وضوحاً في لاعقلانيته، مع انه لا ينتمي لا الى ميثولوجية الفاشية ولا الى ميثولوجية الستالينية، لدراسته في هذا الإطار، قد يكون النموذج الأميركي هو الأوضح. ذلك ان اميركا هي البلد الذي تتجلى فيه سيادة الفكر الأسطوري اكثر من أي بلد آخر. وعلى الأقل من خلال الجمعيات التي تنمو على هامش الدين، والطوائف الهرطوقية والمجموعات المنعزلة التي ليس من المبالغة القول ان فكراً أسطورياً – يكاد يكون هو نفسه دائماً – يسيّرها، فكراً يخرج عن نطاق كل عقل وكل منطق. ولعل خير تعبير فني وأدبي عن استشراء هذا النوع من الفكر، وبالتالي الاستجابة الشعبية له، تكمن في حلول أدب الخيال العلمي – في جميع أنواعه -، ومنذ العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، محل الأدب البوليسي الذي من المتعارف انه الأكثر عقلانية بين الآداب الشعبية، طالما انه يقوم على مبدأ السببية وعلى أسلوب الاستنباط العقلي للوصول الى الحلول.
> لكن أدب الخيال العلمي ليس وحده في الساحة... إذ يحيط به رهط من أنواع ادبية أخرى، ربما يكون أكثرها رواجاً في أيامنا هذه الأدب الشيطاني، الذي صارت له – بالتدريج – مكانة كبرى لدى القراء. بل صارت له كراس تدرسه في بعض الجامعات، وصار ثمة كثر من مفكرين ينظرون إليه بجدية، وليس دائماً في مجال الاستعانة به في دراسات علم اجتماعية تسبر تحولات النزعات الذهنية لدى الشعوب، بل احياناً في مجال دراسته ودراسة مواضيعه بجدية.
> من الصعب، طبعاً، تحديد تاريخ محدد يمكن اعتباره البداية الحقيقية لاستشراء الأدب الشيطاني. ولكن يمكن، على الأقل، تعيين تاريخ وصول هذا الأدب (والفن المرتبط به) الى ذروة هيمنته على الجمهور العريض. وهو تاريخ صدور رواية آيرا ليفين «طفل روزماري»، ثم أكثر من هذا تاريخ تحويل رومان بولانسكي هذه الرواية الى ذلك الفيلم الذي يحمل العنوان نفسه، والذي يعتبر واحداً من اكثر عشرة أفلام إثارة للرعب في تاريخ الفن السابع، بحسب كل الاستفتاءات التي تجرى بين الحين والآخر. ولنتذكر الآن أن «طفل روزماري» صدرت رواية سنة 1967، ثم عُرضت كفيلم في العام التالي. وهي حققت في الحالين نجاحات منقطعة النظير. وهنا قبل ان نتحدث عن الفيلم، لا بد من ان نعيد الى الأذهان، ان زوجة رومان بولانسكي خلال تلك الحقبة، الممثلة شارون تيت، قُتلت ذبحاً في العام التالي لعرض الفيلم، على يد عصابة تشارلي مانسون، التي رأى كثر من الناس ان ثمة قواسم (شيطانية) كثيرة بينها وبين الطائفة التي يشكل نشاطها الشيطاني، موضوع الفيلم الأساس، ما دفع كثراً يومها إلى التذكير بكم ان الحياة تقلد الفن، احياناً... وإن بطرق ملتوية.
> يدور موضوع رواية «طفل روزماري» والفيلم المأخوذ عنها، حول ممثل شاب يسعى الى النجاح بأي ثمن، خصوصاً أنه الآن بات متزوجاً من حبيبته ويودان إنجاب ولد لا يزال وضعهما المادي أبكر من ان يسمح بإنجابه. هذان الزوجان يستأجران بيتاً ويبدوان أول الأمر في غاية السعادة، خصوصاً انهما يتعرفان الى جيران طيبين لطفاء، ثم يبدأ الزوج من طريق مساعدة هؤلاء، بشق طريقه في الوقت الذي تحمل فيه زوجته وتقبع منتظرة إنجاب الطفل بكل حب وشوق ولهفة. في البداية يشاركها الزوج هذا كله... لكنها ستكتشف بالتدريج انه بات غريب الأطوار، غامض التصرفات. وتزداد شكوك الزوجة حين تبدأ أحلام كالكوابيس تنتابها، خصوصاً بصدد جنينها، ثم تبدأ بالإحساس بأن ثمة شيئاً ليس على ما يرام في البيت نفسه. لذا نراها، وسط آلام الحمل ووسط اضطرارها الى تحمّل مزاج زوجها الذي يزداد سوءاً، تتحرى لتعرف ماذا في الأمر. وهذا التحري يشغل النصف الثاني من الفيلم، أي – زمنياً – الشهور الأخيرة السابقة للولادة. طبعاً لن ينتهي الفيلم إلا وشكوك الزوجة وتحولت يقيناً. وكذلك حال شكوكنا نحن ايضاً، معشر المتفرجين، حتى وإن كانت، وكنا لن نكتشف الحقيقة المذهلة إلا في المشهد الأخير المصاحب لإنجاب الطفل. أي في لحظة لم يعد فيها في مقدور المرأة ان تفعل أي شيء، ونبدو نحن ايضاً فيها عاجزين عن أي تصرف. إن الحقيقة التي كنا – على أي حال – تلمّسناها في شكل غامض في زمن باكر خلال مشاهدة الفيلم، هي ان الزوج، مثل فاوست معاصر، باع روحه وجسده للشيطان. وهذا الشيطان يمثله هنا ذلك الجمع من الجيران والأصدقاء، الذين احتضنوا الزوجين منذ اليوم الأول لوصولهما... هؤلاء، كانوا في حاجة الى وليد شيطاني يؤلهونه عليهم. وهم رأوا في روزماري وزوجها ثنائياً صالحاً لإنجاب هذا الطفل/ الشيطان. ومن هنا كان ارتباطهم بفاوست هذا: ساعدوه في عمله وفي حياته في مقابل ان يؤمن لهم هو شيطانهم المنتظر، ففعل – من دون إطلاع زوجته على الأمر أولاً، لذا ظلت هي متمسكة بجنينها حتى النهاية، بل الى ما بعد النهاية ايضاً، طالما نجدها في المشهد الأخير، وقد صارت أقرب الى قبول اللعبة، شرط ان يبقى لها طفلها بصرف النظر عن كينونته المكتشفة، وبصرف النظر عن رأينا نحن، المتفرجين، فيه.
> لقد كان من الواضح، في إزاء هذا الفيلم، الذي قام جون كازانتس وميا فارو ببطولته، ان الخطير في أمره، ليس بيع الزوج نفسه وطفله وروحه للطائفة الشيطانية، وليس مسعى هذه الطائفة كي يكون لها سيد تنشد وجوده، الخطير كان قبول الزوجة بالأمر الواقع وربما... تعاطف الجمهور، أي نحن، معها. إذ يقيناً ان هذا التعاطف الذي اشتغل الفيلم بكل دقة وقوة لإيصالنا إليه في النهاية، كان هو النقطة الانعطافية التي سجلت نقطة الذروة في دخولنا عصر اللامنطق واللامعقول، بعد ان ساد الصراع طويلاً بين العقل واللاعقل. والحقيقة ان قبولنا لمثل هذه النهاية، هو وحده الذي يفسر اليوم كل ذلك النجاح الذي يحققه كل ما هو اسطوري ولاعقلاني، وعلى صعيد العالم كله، كما على صعيد النتاجات الفنية والأدبية. ما يعني ان كل من يريد تفسير هذه الظواهر ومقارعتها، عليه ان ينظر أولاً الى الأرقام: وآخرها الرقم المذهل لمبيعات آخر روايات هاري بوتر وكويليو وأضرابهما.
بــ|يــ|تـيـ...
^^